ابن عربي
444
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
يريد أنه ما في السماء إله غيري ، فانظر إلى من خذله اللّه كيف اعتز على أمثاله بهذا القول ، هل جعله في ذلك إلا علمه بمرتبته لا علمه بنفسه ؟ فالإنسان عبد عينا ورتبة ، كما هو سيد عينا لا رتبة ، ولهذا إذا ادعى الرتبة قصم ، وحرم ، وإذا ادعى العين عصم ، ورحم . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 25 ] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ( 25 ) [ « فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى » الآية - نجاة فرعون : ] النكال في اللسان : هو القيد ، - الوجه الأول - الأولى هي قوله ( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) والآخرة وهي كلمة ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) - الوجه الثاني - على اعتبار صحة إيمان فرعون في علم اللّه « فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى » النكل القيد ، لما رأى فرعون ما عند موسى وهارون عليهما السلام من اللين في الخطاب ، رق لهما ، وسرت الرحمة الإلهية بالعناية الربانية في باطنه ، فعلم أن الذي أرسلا به هو الحق ، فقيده اللّه بعبوديته مع ربه في الأولى بعلمه أنه عبد اللّه ، وفي الآخرة إذا بعثه اللّه يبعثه على ما مات عليه من الإيمان به علما وقولا ، وليس بعد شهادة اللّه شهادة ، وقد شهد له أنه قيده في الأولى والآخرة . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 26 ] إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) - الوجه الأول - « إِنَّ فِي ذلِكَ » أي في هذا الأخذ « لَعِبْرَةً » أي تعجبا وتجاوزا مما يسبق منه إلى فهم العامة إلى ما فيه مما يفهمه الخاصة من عباد اللّه وهم العلماء ، ولذلك قال « لِمَنْ يَخْشى » وقد عرّفنا أنه إنما يخشى اللّه من عباده العلماء ، وقد قال تعالى ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) ولا يخشى حتى يعلم بالتذكّر ما كان نسيه من العلم باللّه ، ومن قيده الحق فلا يتمكن له الإطلاق والسراح من ذلك القيد - الوجه الثاني - « إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى » العبرة في ذلك للعالم ، فيعتبر العالم كما أخبر اللّه من أين أخذ فرعون ، فإن اللّه سبحانه هو الأعلى حقيقة ، فهو ربنا الأعلى ، وادعى هذه الصفة فرعون وما لبسها قط عند نفسه ، ففي قوله « في ذا » إشارة إلى ما تقدم في القصة والذي تقدم قوله ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) ، وأخذ اللّه له نكال الآخرة والأولى أي هذه الدعوى أوجبت هذا الأخذ ، وأن الصفة طلبت موصوفها وهو اللّه ، وبقي فرعون عريا عنها ، فلم يكن له من يحميه عن الأخذ ، فإن الصفة تطلب